عفيف الدين التلمساني
172
شرح مواقف النفري
قوله : ( وقال لي : انظر إلى الإظهار تنعطف بعضيته على بعضيته وتتصل أسباب جزئيته بأسباب جزئيته فما له عنه مدار وإن جال ، ولا له مستند إذا مال ) . قلت : هذا التنزل من أشرف التنزلات وهو من أكبر الأسرار الإلهية وسأشير لمعة من معناه ، وذلك إن تأملت قريب وهو أن الحق تعالى توجه إلى الإيجاد توجها واحدا فأخذت الممكنات تتعين في وجوده من عين ذلك التوجه منذ أول إلى هلم وإلى إن شاء تعالى في المستقبل ، وذلك التعين ينفصل في وجوده أبدا ينعطف فيه أسبابه على مسبباته ومسبباته على أسبابه ، ومعلولاته على علله ، وعلله على معلولاته ، ويستوي في الاستناد إليه السابق والمسبوق واللاحق والملحوق وهو واحد للجميع يلقاه كل ممكن باستعداده فقبل منه ما يليق بإمداده . وههنا سر شريف خال واسع ، ونجم الهداية فيه لمن وافق طالع فمنه أن يقال الممكن القابل قبل الوجود كيف يتحقق في الشهود ، فالجواب هو قوي في الجود الإلهي لا هي هو بعد كونها ، ولا هي غيره قبل كونها . ومثاله المعلوم في العلم ، وقولنا آنفا إن الممكنات تتلقى الوجود باستعدادات متفاوتة ، وغير ذلك هو مجاز للتقريب من الأفهام وإلا فإن القابل قوة في المقبول وهذا هو معنى انعطاف بعضيته الإظهار على بعضيته ، وفي انعطاف بعضية الإظهار على بعضيته وجه آخر وهو أن العلة لشيء ما ربما صارت معلولة في بعض أحوالها المتجددة لحال ما من أحوال المعلول ، ولولا ضعف المثال على الوفاء بمعنى الممثل لمثلته بالبر يزرعه الزارع فتصير الحبة قوتا لزارعها تعطيه وجودا بمادتها بعد ما كان هو قد أعطاها الوجود بفاعليته ، فالإبداء ينعطف بعضه على بعض ، وحاصله أن التوجه الوحداني الأول الذاتي والإرادة مع وحدانيته أعطى كل شيء خلقه ثم هداه حتى استوى في حقه ، ومن جملة هذا الإعطاء تفاعل الجزئيات بعضها في بعض ، فيعتقد المحجوب أن الجزئيات هي التي فعلت أو انفعلت ، لا واللّه بل النور الأول الواحد هو ذا يتفضل فتفهم هذا المعنى فإن فيه مجالا رحبا لأهل القلوب المنورة بالحق وبابا عظيما من أبواب سر القدر ومظهرا كريما لسر القيومية ، وإيماء قريبا واضحا لرؤية أن لا فاعل إلا اللّه ؛ فتأمله تجد ذلك إن شاء اللّه تعالى . فإذن حاصل هذا التنزل الإرشاد إلى ملاحظة إظهار الحق تعالى للجزئيات من أنفسها لترى انعطاف بعضياتها في السببية ، والسبب الحق سبب واحد تتفصل فيه